المكتبةمقالات

يجب تناول موضوع المرأة على أنه ثورة ثقافية

لكي نتناول موضوع المرأة على أنه ثورة ثقافية، يستوجب الوقوف في وجه الهجوم الأيديولوجي للرجل. وأنْ تكافح المرأة تجاه الأيديولوجية الذكورية المهيمنة.

بدايةً المرأة هي أساس المجتمع حيث تتصدر المرأة ونظام العلاقات والتناقضات المتشكل حولها، قائمة الظواهر الواجب معالجتها بشكل منفرد، إلى جانب تكوين مضمون الدمقرطة. لذا تناولنا لظاهرة المرأة بإمكاننا أن نرى بوضوحٍ أكبر مدى تأخر ونقصان معالجة العلوم الاجتماعية لها.

بما يضاهي ما هي عليه مسألة توازنات السلوكيات المشاعية والديمقراطية .حيث ثمة إجماع عام في كافة المواقف العلمية والأخلاقية والسياسية، يفترض مسبقاً بأنَّ ما تعانيه المرأة هو من دواعي طبيعتها. والمؤسف أكثر أنَّ المرأة أيضاً اعتادتْ على قبول هذه البراديغما طبيعياً. فطبيعة وقدسية القوالب الثابتة المفروضة على الشعوب منذ آلاف السنين، باتت محفورة في كلِّ خلايا ذهنية المرأة وتصرفاتها. وبقدر ما تمَّ تأنيث الشعوب، اتسمتْ المرأة أيضاً بالشعبوية.

  غير هذا نجد أن هناك ارتباط قوي بين عبودية المرأة، والسلطة الهرمية والدولتية المتصاعدة في المجتمع. حيث أُسِّسَت الهرميات، وفُتِحَت درب العبودية أمام شرائح المجتمع الأخرى، مع تعويد المرأة على العبودية. يأتي استعباد الرجل بعد استعباد المرأة. وثمة جوانب لعبودية الجنس، تختلف عن عبودية الطبقة والأُمَّة.  فبالإضافة إلى وسائل القمع المُرَكَّزة لإضفاء المشروعية عليها، يتمُّ ترسيخها عبر الأكاذيب والاقنعة المزيفة فتُستثمَر الفوارق البيولوجية وكلها حجج لهذه العبودية. كل ما تقوم به المرأة يؤخذ بعين الاستخفاف، وكأنه “لا قيمة له”. ويُطرَح تواجدها في كل ميادين المجتمع العامة على أنه محظور دينياً ومُعيب أخلاقياً. هكذا تُبعَد تدريجياً عن كافة النشاطات الاجتماعية المهمة. ومع انفراد الرجل بالنشاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كقوة مهيمنة، بذلك تتكّدس كافة إمكانيات وموارد القوة المادية والمعنوية بيد الرجل، وتغدو المرأة كياناً مِربَطُ رأسه بيد الرجل.

فمن أجل السلطة تستلزم عبودية للمرأة إلى أبعد الحدود. فطبيعة السلطة تتطلب العبودية. فإذا كان نظام السلطة بيد الرجل، فلن يكتفي بتشكيل قسم – فقط – من الجنس البشري حسب تلك السلطة، بل سيشمل الجنس برمته.   حيث تكمن المرأةُ المستعبَدة في مصدر المُلكية. تتفشى العبودية والمُلكية في المرأة على موجات متتالية، لتعمَّ كل المستوى الاجتماعي. هكذا تُرسَّخ كلُّ عاطفة أو فكرة للمُلكية والعبودية، في البنية الذهنيةِ والسلوكيةِ للفرد والمجتمع. ويُؤقلَم المجتمع مع كافة أشكال البنى الهرمية والدولتية. هذا ما معناه بدوره سهولة سيرورة كافة أنواع البنى المسماة بالطبقية، بعد اكتسابها مشروعيتها. هكذا، لا تكون المرأةُ لوحدها خاسرة، بل والمجتمع بأكمله، عدا مجموعة من القوة الهرمية والدولتية.

  على المرأة أنْ تبذلَ مساعيها وتؤسس تنظيمها وتحدد أهدافها الخاصة بها بالذات. ثمة حاجة أولية لتعريف الحرية بما يقابل حالة العبودية المعششة في المرأة. لقد تطورتْ قدرة النظام الرأسمالي على تطوير الأدوار والتصورات الزائفة، بحيث ساوى بين الحرية وبين النشاطات الأكثر حطاً من شأن المرأة.    

فهذا يستوجب ضرورة الوقوف أولاً في وجه الهجوم الأيديولوجي للرجل.  وأنْ تكافح تجاه الأيديولوجية الذكورية المهيمنة. علاوةً على أنه يتوجب الإدراك جيداً لكيفية تعزيز قدراتها الذهنية الطبيعية والتحررية في الميدان الأيديولوجي إزاء الذهنية الرجولية السلطوية الحاكمة. ولا ننسى هنا أنَّ الاستسلام الأنثوي التقليدي ليس جسدياً، بل هو اجتماعي. وهو يأتي من العبودية المترسخة والقبول بها. ما دام الأمر هكذا، فمن المهم التغلب على الأفكار والعواطف الاستسلامية في الميدان الأيديولوجي في البداية.

وعليها أن تعي أنه عندما تتوجه حريتها صوب الميدان السياسي، تكون حينئذ في مواجهة أشد جوانب الصراع حدة. وبدون معرفة كيفية إحراز النصر في الميدان السياسي، لا يمكن أن يكون أي انتصار آخر راسخاً أو دائمياً. لا يعني الانتصارُ في هذا الميدان حركةَ تدوُّل المرأة. بل وخلافاً لذلك، يعني الصراع مع البنى الدولتية والهرمية، وخلق كيانات سياسية لا تهدف إلى الدولة؛ بل تكون ديمقراطية تهدف إلى حرية الجنس وبناء المجتمع الأيكولوجي. فالهرمية والدولتية هما أكثر الظواهر تضارباً وتنافراً مع طبيعة المرأة. انطلاقاً من ذلك، على حركة حرية المرأة أن تؤدي دورها الريادي في سبيل تأسيس الكيانات السياسية الخارجة عن نطاق الدولة، والمناهِضة للهرمية. وانهيار العبودية في الميدان السياسي، يكون في مضمونه بمعرفة كيفية الانتصار في هذا الميدان. يستلزم النضالُ والصراع في هذا الميدان التنظيمَ والنضالَ الديمقراطي الشامل للمرأة. فكلُّ أنواع منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والإدارات المحلية، هي الساحات التي سيتطور فيها نضالها وينتظم.  

 الأصح هو تناول موضوع المرأة كثورة ثقافية. إذ من العصيب إيجاد حل تحرري ذو معاني راقية بالثقافة القائمة، مهما بُذِلَت الجهود المكثفة. وذلك بسبب المشكلة القائمة في الظاهرة ذاتها، وبنية العلاقات فيها. واكتساب الهوية التحررية الأكثر راديكالية أمر ممكن فقط بالدنو من المرأة. أو بالأحرى باستيعاب النظام القائم في العلاقات بين الجنسين ككل متكامل، وتخطيه. يجب الإدراك جيداً أنه لا يمكن تخطي ذلك ولو كان بشيء بسيط. إلا إذا تم فهم الحرية بشكل الصحيح وإكسابها إرادتها، بقدر الفهم الصحيح أيضاً للعبودية وتفهمها. على كل القاصرين عن قطع مسافة ملحوظة في درب حرية المرأة، وبالتالي في درب تحرير الذات؛ أنْ يعرفوا أنهم بذلك لن يكونوا قادرين على إبداء قدرة الحل والتحول في أي ميدان اجتماعي، ولا في مجال الحرية السياسية أيضاً.  

من الواقعي أيضاً اعتبار قرننا مرحلة اجتماعية ستتصاعد فيها إرادة المرأة الحرة. لذا، يتوجب التفكير في المؤسسات الراسخة اللازمة للمرأة وتأسيسها. وقد تتولد الحاجة لأحزاب حرية المرأة. حينها ستكون ذرائع تأسيس هذه الأحزاب ومهامها الرئيسية متمثلة في توطيد المبادئ الأيديولوجية والسياسية الأولية للحرية، وإدراجها حيز التنفيذ، والإشراف على ذلك وتسييره.

 

زر الذهاب إلى الأعلى