المكتبةمقابلة

حنان عثمان: قتل جينا أميني أخرج النار من تحت الرماد

أوضحتْ عضوة منسقية مؤتمر ستار، ونائبة رابطة نوروز الثقافية، في لبنان، حنان عثمان، "بأنّ قتل النساء وإبادتهن دليل على خوف السلطات من إرادة النساء وانتفاضتهن.. لاسيما أن حجج الحجاب والاحتشام واهية وغير مقنعة". وأكدتْ "أنّ كل هذه الممارسات هي بغية معادة النساء المنتفضات".

قضية المرأة قضية جوهرية، فعندما يتم البحث في التاريخ عن القصص والأساطير التي دُوِّنتْ يرى المرء  أن أكثر من تعرّض للاضطهاد والتعذيب بسبب الذهنيات المسيطرة والقمعية كانت المرأة.

فمنذ مهد التاريخ وإلى اليوم كانت المرأة هي التي تبدع وتخلق كل شيء من أجل مجتمعها، ولحماية مكتسبات مجتمعها وتعزيز تلك المكتسبات.

عندما نبدأ بالبحث في التاريخ نرى أنّه وعلى مر العصور وفي العديد من الحقب والأزمان، كانت قضيتا المرأة وفكرة تحررها من الهيمنة الذكورية فكرة لا تتوافق مع الذهنية السلطوية القامعة للمرأة، فكان الحكّام والمتسلّطين يرون من أبسط حجة سبباً لاستهداف المرأة باستخدام شتى الوسائل والأساليب، لكي يقفوا أمام مد هذا الفكر الحرّ.

ومن أكثر المناطق التي تتعرّض فيها المرأة لقمعٍ واضطهاد للحريات هي المناطق المتشددة أو المتطرفة، التي تأخذ من الدين حجة لكي تبرر سبب تصرفاتها بحق النساء. ومن بين هذه المناطق، الدولة الإيرانيّة التي تقوم باعتقال النساء الناشطات والسياسيّات والحقوقيات اللاتي يعملن من أجل الوصول إلى حرياتهنْ.

حيث تقوم باعتقال النساء وزجّهن في السجون، وتعامل النساء في تلك المعتقلات معاملة لاإنسانية ولا أخلاقية وبعيدة عن النظم والقوانين التي تدافع عن الإنسان، وكحق المرأة بشكل خاص كفرد ضمن هذا المجتمع.

كان آخر هذه الانتهاكات بحق المرأة في إيران، اعتقال شرطة السلطات الإيرانية، للشابة الكردية (جينا أميني) ذات ال22 عاماً.

عندما كانت الشابة (جينا أميني) مع عائلتها في زيارة في العاصمة الإيرانية، طهران، قامت “شرطة الأخلاق” المسؤولة عن التأكد من ارتداء النساء للحجاب في طهران، بإيقافها، وذلك الأربعاء المنصرم، 14/9/2022.

حيث تم اعتقال (جينا أميني) مع أربع نساء بتهمة عدم تغطية شعرهن بالحجاب. خلال الاعتقال تعرّضت للتعذيب وعلى إثر التعذيب دخلت في غيبوبة وبقيت في المشفى ثلاثة أيام، وفقدت بتاريخ 17/9/2022، جينا أميني حياتها.

حيال هذا الانتهاك وفقد الشابة الكردية (حينا أميني)، لحياتها ازداد السخط الشعبي داخل المدن الإيرانية، وعمّت المظاهرات والاحتجاجات ضد القرارات التي تؤخذ بحق الشعب، وبخاصة بحق المرأة التي يُنظَرُ إليها على أنها الضلع القاصر الذي لا حول ولا قوة له. وهذه الاحتجاجات طالت كافة أرجاء المدن الإيرانية، وتظاهر الآلاف من المدنيين والمدنيات في الشوارع استنكاراً لهذه السياسة القمعية.

لم تقف المظاهرات والاحتجاجات داخل الحدود الإيرانية بل، تجاوزتها إلى المدن المجاورة حيث خرجت الآلاف من النساء في مدن إسطنبول، لبنان، ومناطق شمال وشرق سوريا في مظاهرات للتنديد بهذه الجريمة التي اقترفتها شرطة السلطات الإيرانيّة.

النساء في شمال وشرق سوريا، الحركات والتنظيمات النسائية الكردية تتضامن من أجل قتل الشابة الكردية مهسا أميني على يد شرطة السلطات الإيرانية، ففي مناطق شمال وشرق سوريا، استنكرت الحركات والتنظيمات النسائية من خلال البيانات والمظاهرات التي خرجنَ بها إلى الساحات الجريمة، كما أن النساء الكرديّات واللبنانيات نظّمن وقفة اعتصامية احتجاجية لإدانة جريمة قتل مهسا (جينا).

حيال ما قامت به شرطة السلطات الإيرانية، وما يُعرف ب “شرطة الأخلاق” بحق الشابة الكردية الإيرانية، مهسا (جينا أميني)، أجابتْ عضوة منسقية مؤتمر ستار، ونائبة رابطة نوروز الثقافية في لبنان، حنان عثمان، عن أسـئلتنا من خلال محادثة هاتفية.

**في الآونة الأخيرة ازدادت حدة هجمات سلطات الدولة الإيرانية تجاه الشعب في المنطقة، وبخاصة المرأة، حيث تقوم هذه السلطات بقمع حرية المرأة، واعتقالهن. من أين تنبع هذه الذهنية ولماذا يتم استهداف المرأة بشكل خاص؟

في بداية حديثها أجابت حنان، “أثبتت الأحداث التاريخية على مر العصور وفي العديد من الحقب التاريخية أن قضية المرأة وفكرة تحريرها من الهيمنة الذكورية هي فكرة تبث الذعر في قلوب الحكام المستبدين، ليقمعوا ويضربوا بيدٍ من حديد كل مكتسب يقرّب المرأة من هذا المنال، ليجعلوا من كل حجة واهية سبباً لاستهداف النساء بشتى الأشكال والوسائل والأساليب”.

اعتبرت حنان موضوع اضطهاد المرأة وقمع حريتها، بأنّها ظاهرة اجتماعية عالمية لكن هذه الظاهرة تختلف من مكان لآخر، حيث تابعت قائلة: “واضطهاد المرأة هو ظاهرة اجتماعية عالمية ولكن بنسب متفاوته ومختلفة، ففي إيران يزداد اضطهاد وقمع المرأة، وجرائم السلطات الحاكمة ضد النساء، كما أضافت “أن هذا الاضطهاد يثبت مدى عداوة وكره النظام الإيراني للمرأة، لأن نظرة ولاية الفقيه “للمرأة” لا تختلف عن نظرة الإسلام السياسي السلفي؛ الذي ينظر إلى المرأة على أنها ناقصة عقل ودين، وهي هامشية، وعليها فقط بالطاعة والتستر”.

“النساء الإيرانيّات، كالكثير من نساء العالم، ناضلن منذ سنين من أجل التغيير والمشاركة في مجالات الحياة كافة”

حول نضال المرأة الإيرانية بغية التغيير والمشاركة مع الرجل في كافة مجالات الحياة، ركّزتْ حنان “إنّ النساء الإيرانيات، كالكثير من نساء العالم، ناضلن لسنوات طويلة من أجل التغيير والمشاركة فى الحياة الاجتماعية والسياسية رغم العديد من العقبات التي وقفت في طريقهن”.

أعربت حنان بقلق حول ظاهرة تزايد قتل واستهداف النساء الناشطات والسياسيات في المناطق التي تناضل فيها المرأة وتطالب بحريتها ومشاركتها في الحياة الاجتماعية والسياسيّة، متابعةً وظاهرة قتل واستهداف النساء في تزايد مخيف، وخاصة في منطقتنا.

ففي الأمس استُهدِفَت هفرين خلف، الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل على يد المرتزقة المؤتمِرين بإِمرة تركيا… تلاها استهداف الريادية زهرة بركل ورفيقاتها في مدينة كوباني. تلاها استهداف القيادية سوسن بيرهات ورفاقها. وما قبل أولئك الشهيدات نساءٌ كثُر من الضحايا”.

مضيفةً “لكن لا يوجد مكان آخر يقتل فيه عدد أكبر من النساء، وفقاً للإحصاءات السنوية لمنظمة العفو الدولية، كإيران، لأسباب عديدة، وبأساليب وحشية، حيث سجل بين عامي 2000 و 2022، المئات من النساء، بالإضافة لانتشار ظاهرة مهاجمة النساء بالأسيد، حيث يتم استهداف المئات من النساء والفتيات بمادة الأسيد سنوياً، الإ أن السلطات الإيرانية تقوم بقمع التظاهرات المناهضة لهذه الوحشية وتقوم باعتقال وتعذيب النساء و الفتيات الناشطات اللواتي نظمن لهكذا تظاهرات”.

**الدولة الإيرانية تستخدم الدين كحجة وذريعة لمقاومة نضال النساء اللواتي ينظمن المرأة التي تفرض عليها الذهنية السلطوية. كيف تقيّمون هذا الشيء؟

الدولة الإيرانية تبرر انشائها لعشرات المؤسسات القمعية على محور معاداة النساء

بيّنت حنان من خلال إجابتها على سؤالنا “أن معاداة المرأة بذريعة الدين أصبحت سياسة ممنهجة ومتواصلة كونها تعمل كأداة حكرية للسلطة، كما تبرر إنشاءها لعشرات المؤسسات القمعية على محور معاداة النساء، كي تبرر المراقبة الدائمة على المواطنين في الشوارع. والشغل الشاغل للدوريات في الشوارع والمؤسسات من أمثال «دائرة المنكرات» أو «شرطة الأمن الأخلاق» والعشرات من المؤسسات الأخرى لنفس الأسباب والذرائع. كما أن مواجهة النساء بذريعة سوء التحجب تعتبر من أكثر الآليات تأثيراً لفرض الخناق على المجتمع وإسكات أي صوت معارض من قبل النظام”.

اعتقال وقتل الشابة الكردية أخرج النار من تحت الرماد

في إشارةً منها لما قامت به شرطة سلطات الدولة الإيرانية بحق الشابة الكردية، مهسا أميني قالت: “ومقتل الشابة الكردية جينا-مهسا أميني البالغة من العمر 22 عامًا، بعدما ألقت القبض عليها وحدة الشرطة المكلفة بتطبيق قواعد اللباس الصارمة التي يفرضها النظام الإيراني على النساء، بما في ذلك إلزامية وضع الحجاب في الأماكن العامة، أصبح عاملاً لإخراج النار من تحت الرماد، حيث عمّت التظاهرات والاحتجاجات في كردستان لتطال مختلف المناطق في البلاد، وسط حالة من الغضب الشعبي في الكثير من بلدان العالم”.

**في سؤالنا الثالث، الذي طرحناه على عضوة منسقية مؤتمر ستار، لبنان حنان، حول موقف النساء والناشطات النسويّات في لبنان، وبخاصة الانتهاكات الصارخة والقمعية بحق النساء الكرديات والناشطات في شرق كردستان؟

تحت “شعار المرأة حياة حرة”، أعربت حنان عن الموقف الذي تم اتخاذه من قبل النساء، الحركات والتنظيمات النسائية والناشطات في لبنان، “ونحن كناشطات نسويات وكمنظمات نسائية قمنا بتنظيم اعتصام نسائي، لإدانة واستنكار ما يحدث بحق النساء عامة، وفي كرستان وايران خاصة. وتحت شعار “JIN JIYAN AZADI!”، والذي يعني المرأة حياة وحرية، طالبت المشاركات في الاعتصام من الجهات المعنية ومن المنظمات الحقوقية التضامن مع النساء وحمايتهن، وإعطاءهن كامل حرياتهن. وأمسكت النساء المشاركات في الاعتصام بحجابهن بأيديهن وتركن جدائلهن في الهواء الطلق ليؤكدن بأن المرأة تملك الحرية الكاملة في اختيار الحياة التي ترغب بها، وأنه لم يعد مسموحاً أبداً التعرض لحياتهن. كما طالبن بفك القمع الديني عنهن وترك الخيار للنساء في ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه”.

كما وأكّدتْ حنان عثمان “بأنّ قتل النساء وإبادتهن دليل على خوف السلطات من إرادة النساء وانتفاضتهن.. لاسيما أن حجج الحجاب والاحتشام واهية وغير مقنعة. ولم يعد كافياً الاعتذار أو التحقيق لمعرفة الحقيقة الواضحة”.

توجهت حنان  بطلبها إلى الوسائل الإعلامية  لتسليط الضوء على الجرائم التي ترتكب بحق النساء؛ “إننا نناشد الإعلام بضرورة تسليط الضوء على جرائم النساء، لأنه يوجد تعتيم ممنهج من قبل السلطات الإيرانية لإخفاء جرائمها المعادية للنساء”.

في حديثها تطرقتْ حنان إلى كافة القوانين والمواثيق التي تحمي حقوق الإنسان، كما أوضحتْ أن كل هذه المنظمات عاجزة عن ضمان حقوق النساء وحرياتهن لاختيار المناسب لهنّ، حيث قالت:” في الختام نرى أنه على الرغم من كل القوانين الداعمة لحرية الفرد وحرية المعتقد في العالم، ورغم كل الاحتجاجات الشعبية في إيران وكل تحركات النساء في العالم لرفض القمع، لا تزال حتى اليوم، الحكومات والمنظمات الحقوقية عاجزة عن ضمان حقوق النساء وحريتهن في اختيار الحياة اللواتي يرغبنها. وما زلن يتعرضن للتعذيب وللقتل تحت غطاء الدين”.

واختتمت حديثها بذكر كلمة والدة جينا أميني، حيث قالت: “وكما قالت والدة جينا أميني: “اليوم ابنتي وغداً بناتكم”… لهذا علينا التكاتف والوحدة في وجه الاخطبوط الذكوري ومؤسساته القمعية”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى