“الإدارة محرك الفكر الخلاق والإبداع البشري”

الإدارة والطليعة تتطلبان عقل مبدع وفكر خلّاق وينبع هذا العقل والفكر من الإبداع البشري الذي يسعى جاهداً لتطوير المجتمعات.

تزدهر المجتمعات وترتقي بالإدارة الناجحة الطموحة المنتجةِ للازدهار والاستقرار، للوصول بالمجتمع وأفراده إلى الكمالية المطلقة حيث المدينة الأفلاطونية الفاضلة.

للوصول إلى مجتمعات خالية من الحروب وسفك الدماء … حينها يبدأ أفراده بالإنتاج السليم والتفكير المبدع الخلّاق وإدارة الموارد البشرية والمادية بما يتناسب ومتطلبات المجتمع دون الخوض في خيالات غامضة فلسفية تكاد تكون بعيدةً كل البعد عن الواقع المعاش، وهنا يكمن السر في كيفية الاستخدام الصحي السليم للكينونة المجتمعية.

الإدارة هي عملية فيزيولوجيّة نفسيّة تدعم الفرد القائد أو المساهم في بناء المجتمع باتخاذه لقراراتٍ هامة فاعلة تساعد في تكوين وتأطير المجتمع بغية الوصول إلى أقصى النتائج بأفضل الطرق وأقل التكاليف. بما يتناسب والأفكار المثالية التي ترفع المجتمع إلى مستويات تضاهي غيره من المجتمعات المثالية المتكاملة في كل مناحي الحياة دون إهمال أحدها على حساب الآخر، لأن كل هذه الأمور مكملة لبعضها ولا يمكن للشخص الإداري أن يهمل أمر على حساب آخر للوصول إلى الهدف المرجو منه والعيش بروح وقلب شجاع واحد خالي من الضغائن والأحقاد التي تودي بالمجتمعات إلى التهلكة.   فبالإدارة يُصنع التقدم الاجتماعي، وعليها تعتمد الدول في تحقيق التقدم والرخاء لمواطنيها، والإدارة الناجحة هي الأساس في نجاح المنظومة الاجتماعية وبالتالي تفوقها على نفسها وعلى منافسيها.

هناك الكثير من الفروع للإدارة الناجحة كالعلوم الاجتماعية والتخطيط والتنظيم والتنسيق، والرقابة على الموارد والطاقات البشرية والمادية بما يتناسب وواقع المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء الأشخاص ممن يحملون الروح والفكر الإداري.  فالإدارة بالنسبة للمدير؛ هي التنبؤ بالمستقبل بما يخدم الأفراد الموجودين ضمن بيئة ومجتمع ما، دون التطرق والدخول في المثاليات الفلسفية الغير مجدية، فالهدف الأساسي من تنفيذ هذه الوظائف هو استخدام الإمكانيات البشرية والمادية أحسن استخدام وخلق الجو الصالح المناسب لتشغيل كافة الموارد المتوفرة  في مجتمعاتهم؛ لذا وإذا تطرقنا قليلاً إلى مفهوم الإنسان الإداري، الإنسان المدير المسير لأمور منظومة مجتمعية مؤسساتية؛ فهو الإنسان القائد المخطط والعقل المدبر لهذه المنظومة المحرك لآلية العمل فيها بكل التفاصيل من أفراد إلى إمكانيات وآليات ومواد أولية.  يجب أن يكون هذا الإنسان صاحب علم وخبرة بأمور التخطيط والتدبير والسير بمؤسسته نحو الأفضل بما يخدم المصلحة العامة لها بكل المقاييس. كما ويجب ألا يمارس مهامه بصورة سلطوية تحكمية متجبرة على العكس تماماً، يجب أن يكون ذو فكر خلاق متواضع يعرف كيف يعمل على تأطير وتسيس منظومته المؤسساتية بكل الإمكانيات المتاحة دون الابتعاد عن الواقع، لذا نجد في كثير من الأحيان أنّ الإنسان الإداري الصارم السلطوي يكون غير مرغوب ومحبب من قبل المرؤوسين بل ويسعون دائماً إلى إزاحته من منصبه، بعكس الإداري المتواضع الخلوق الذي يعرف كيف يسخّر خبرته في مكانها المناسب بكسبه للمرؤوسين أولاً، بالتالي ينعكس ذلك لا إرادياً على آلية العمل وتطوير المنشأ، بما يخدم المصلحة العامة لأن العاملين فيها يعيشون حالة من الراحة النفسية التي تؤدي بدورها إلى الإبداع في مجال عمل كل واحد منهم . لأن الفرد هو من يقوم بالإنتاج، ولا يصلح الإنتاج من دون صلاحية العامل والموظف، والمشاركة الجماعية بينهم.

الإدارة الناجحة تتلخص باختيار الأشخاص المناسبين ووضعهم في الوظيفة، والمكان المناسب حتى نضمن الاستمرارية لهذه المنظومة المجتمعية، دون الوقوع في أخطاء كارثية، كما حدث مؤخراً في كارثة الزلزال المدمر الذي فقد على إثره آلاف الأشخاص لحياتهم بسبب الإهمال وسوء التخطيط والتنظيم وإنشاء مباني لا ترتقي للمواصفات والمقاييس المرجوة في منطقة معرضة جيولوجياً للزلازل.

فالتخطيط إذاً؛ يعتبر من أهم بنود وأركان الإدارة، لأنه من خلال التخطيط يعرف المسؤولون عن إدارة المجتمع من يختارون وأين يضعونهم. فمن غير المعقول أن نضع شخص يعمل في التعهدات الإنشائية في وظيفة التخطيط لإنشاء المدن والأبنية، لأن الاختيار الخاطئ للأشخاص أودى بحياة الآلاف وأدى إلى نتائج كارثية على البيئة والمجتمع على حد سواء سيتطلب التعافي منها آلاف السنين. بناءً عليه وحتى نتدارك هذا المعضلة ونتفرغ للوصل بمجتمعاتنا نحو الرقي والتطور، يجب على أصحاب السلطة واتخاذ القرار، أن يلجؤوا إلى التخطيط والتنسيق المتكامل الصحي، وأن يضعوا الشخص المناسب في المكان المناسب حتى لا نفسح المجال لمثل هذه المعطيات للولوج إلى السطح وإلهاء المجتمع وتوجيه فكره نحو أمور كانوا يستطيعون تلافيها منذ البداية بالتخطيط السليم.

كذلك الأمر بالنسبة للوظائف الأخرى التي يتم فيها اختيار الأشخاص على حسب المحسوبيات والوساطات أو حسب الخبرة في العمل، لأن علوم الإدارة والتخطيط التي تدرس في الجامعات لا يتم وضعها عن فراغ إنما يتم وضعها بما يتناسب ومتطلبات واحتياجات المجتمع. أو مثلاً لا أستطيع أن أضع شخص ملم بالعلوم الدبلوماسية السياسية في بيئة ريفية قروية جل اهتمامها هو تطوير المجتمع الريفي ومتطلباته من ثروة حيوانية وكيفية إدارة الأراضي الزراعية بغية تطوير المنتوج الزراعي. كلٌ له مكانة في مجتمعه فالدبلوماسي مكانه وزارة الخارجية والمهندس الزراعي مكانه في الريف، والمهندس المعماري مكانه تخطيط وإنشاء المدن، والسياسي مكانه في منظومة الدولة واتخاذ القرارات السياسية التي ترفع من شان الدولة، والمفكر والمثقف والناقد مكانهم ضمن المجتمع المدني حيث أن مهمته تكمن في إيصال ثقافة وفكر المجتمع إلى المجتمعات ممن حوله بالصورة المثالية المنبثقة من أرض الواقع.

لكن مع الأسف نجد هذا التناقض في فكر التخطيط والتنظيم ظاهر بقوة في المجتمعات الشرق أوسطية والعربية بصورة خاصة والتي نستطيع أن نعتبر بأنها تحمل وسام مجتمعات العالم الثالث بامتياز، لأنها تعاني من سوء في التخطيط والتنظيم والتوزيع الصحيح للمهام. عكس ما شهدناه مؤخراً في مناطقنا الكردية في روجافا وشمال وشرق سوريا وخاصة في العشر سنوات الأخيرة من عمر ثورة روجافا، رغم أنه مجتمع ناشئ لايزال ينفض عن نفسه غبار الحرب والخراب والدمار النفسي والفكري فقد استطاع في فترة زمنية وجيزة أن يحرز تقدماً وتطوراً في جميع مناحي الحياة سواء عمرانياً أو ثقافياً أو حتى عسكرياً وسياسياً.

بناءً عليه نستطيع أن نعتبره بدايةً صحيحة  لمجتمع إداري تنظيمي ذو خبرة في توزيع المهام وتأطيرها بما يتناسب والواقع المعاش، حتى غدا أيديولوجية فكرية تنظيمية تدرس في كثير من البلدان الشرق أوسطية والعالم وأخذت الدول بإرسال بعثات لها للاستفادة من هذا الفكر التنظيمي الإداري المدروس على جميع الأصعدة، فمنظومة شمال وشرق سوريا كانت  السباقة في إبراز دور المرأة وتطوير مكانتها الاجتماعية لأنه عرف بوضوح وكما يقال: من أين تؤكل الكتف، وبأن المرأة هي الأساس المؤسس لجميع المجتمعات البشرية أياً كانت وفي أي مكان في العالم، وبأنها علميا تستطيع القيام بالكثير من المهام في آن معاً دون الاستعانة بالذهنية الذكورية التي لاتزال معظم دول العالم رازحة تحت هذا المفهوم. فالإدارة الذاتية عرفت كيف تزيح الغبار عن الصورة النمطية للمرأة هذا الغبار الذي تراكم على كينونتها الوجودية بحكم عادات وتقاليد وأعراف مجتمعية فرضت على العالم بفكر سلطوي بحت، فقط؛ لأن الرجل يحمل قوة جسمانية أكبر منها وبأن حجم دماغه أكبر من حجم دماغ المرأة لكنهم لا يعرفون أن كمية التلافيف الموجودة في عقل المرأة أكبر بأضعاف من كمية التلافيف الموجودة في عقل الرجل، وبأنه تم تشبيه عقل الرجل بمفهوم الصندقة أو الصناديق فهو لا يستطيع أن يقوم بمهمتين في نفس الوقت، لأنه بحاجة إلى وقت حتى يخرج حلوله من الصناديق التي  تتكون منه دماغه، بعكس المرأة التي وصف دماغها بالشبكة العنكبوتية المتشعبة التي تستطيع أن تقوم بأكثر من ست مهام في آن واحد دون ترك المجال للدماغ من إخراج الحلول من الصندقة كما في الرجل. لذا فإننا نستطيع الوصول إلى نتيجة مفادها أن الإدارة الذاتية لم تكن على خطأ عندما اختارت المرأة نموذجا تسير من خلاله أموره الحياتية والإدارية بثبوتيات متناسقة منظمة، لأنها عرفت قيمة الجوهرة المكنونة في ذهنية النساء الكرديات خاصة وأنهم عانوا ما عانوه قبل الثورة من كبت وتهميش لفكرهم وإرادتهم  النظام الناجح هي النظام الذي لا ينظر إلى المرأة فقط على أنها آلهة الخصوبة والجمال، بل وينظر إليها على أنها آلهة الحياة والاستمرارية الوجودية.

المرأة هي من ستقود بمجتمعاتنا الكردية إلى المدينة الافلاطونية الفاضلة، لكن بأسلوب وطراز جديدين. كما أنه لم يكن الاختيار خاطئ عندما وضعت المرأة في دائرة صنع القرار وكانت الريادية، لأنها تستحق ما وصلت له و تسعى للوصول إليه، فسعيها الدؤوب نحو إدارة المنطقة بشكل ريادي وتنظيمي وتوجهها نحو مجتمع أفضل تسوده العدالة الاجتماعية والمساواة.  وأكبر مثال على ذلك ما وصلت إليه المرأة الكردية في جميع مناحي الحياة عندما تم وضعها في أماكن صنع القرار وفي الإدارات بالمجمل سواء أكانت سياسيّة، اجتماعية، وثقافيّة، أمثال: الإدارية الشهيدة الرئيسة لحزب سوريا للمستقبل هفرين خلف التي تم استهدافها بدم بارد فقط ليثبطوا من عزيمتها وإرادتها في الولوج بمجتمعها الكردي نحو أفضل المستويات والأماكن في العالم أجمع، وغيرها الكثيرات ممن خططنا بدمائهن الطاهرة الزكية طريق الحرية والكمال والاستقلالية والوصول بالمجتمع الكردي نحو المثالية. مع كل ذلك يجب ألا ننسى النسوة الكرديات في المجتمع الإيراني وما يسعن له من تحرر وانعتاق من الذهنية الشوفينية الملالية، التي تجذرت في مجتمعهم منذ عقود، على يد النظام الملالي القمعي الدكتاتوري لتطلق على ثورتهم اسم “ثورة الجدائل” ثورة الحرية والكرامة، رغم صغر عمر ثورتهم إلا أنهم قدموا الكثير من التضحيات وعانوا ما عانوه من سجن واعتقال وتعذيب وإعدامات طبقت بحقهم لأبسط الأسباب بكل وحشية فقط لأن جل ما أرادوه هو التحرر والانعتاق من عبودية المجتمع  والتحرر من ذهنية القطيع.  بذلك نصل إلى نتيجة مفادها، أن السعي الدؤوب نحو الإدارة المثالية المتكاملة بزرع مفاهيم تنظيمية سليمة خالية من الشوائب في ذهنية وأفكار الأجيال القادمة، يجب أن لا ينقطع، بل يستمر بشكل تقيمي مدروس يتوافق مع متطلبات واحتياجات المجتمع الذي نعيشه. لأن الإدارة المنظمة هي الأبقى والأرقى وهي الأكثر استمرارية عبر العصور والأزمنة. فما ترتب علينا هنا ليس ملاحظة وإدراك المتغيرات فحسب إنما التأقلم والتكيف معها، أملاً بإدارتها والتحكم فيها بصورة مثالية مطلقة، خالية من المعوقات الفكرية والمادية التي دائماً ما كانت تعيق تقدم المجتمعات بوضعها للعصي في سيرورة الحياة والاستمرارية الكونية. إذاً لابد للإدارة الناجحة أن تقوم على أساس العمل التشاركي كالفريق المتكامل، مع إقامة علاقات خارجية مع باقي المؤسسات المكونة لهذا المجتمع، من أجل الوصول الى الكمالية المطلقة.

“معاً نحو المثالية والتكامل الوجودي في مجتمعاتنا”

بقلم الإعلامية: سوسن خلف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى