معرض “فن المرأة قيمة المجتمع” في قامشلو: احتفاء بالذاكرة الحيّة والإبداع النسوي
بمناسبة الذكرى السنوية لافتتاح وقف المرأة، وتحت شعار "فن المرأة قيمة المجتمع"، افتتح وقف المرأة الحرة في شمال وشرق سوريا معرضًا فنيًا، وذلك في مبنى الوقف بمدينة قامشلو بتاريخ ٢٢ أيلول ٢٠٢٥، بمشاركة نسوية واسعة من مختلف الثقافات. تضمن المعرض أعمال وقف المرأة في كل من الجزيرة والفرات وحلب والرقة.

في كل حضارة، كان الفن مرآةً للروح الجماعية، ووسيلةً لحفظ الذاكرة، وتوثيق الأحلام، ومقاومة النسيان. إنه ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية، تنسج من الخيال واليد والوجدان جسورًا بين الماضي والمستقبل. أما الحرف اليدوية، فهي لغة الأمهات والجدّات، تلك التي لا تُكتب بالحبر، بل تُطرّز بالخيط، وتُخبز بالنار، وتُعطّر بالأعشاب. إنها ثقافة متجذّرة في الأرض، تُقاوم الزوال، وتُعيد تعريف الجمال بوصفه فعلًا يوميًا، بوصفه الهوية. وفي زمنٍ تتسارع فيه العزلة، يصبح الفن مساحةً للقاء، والحرفة وسيلةً للانتماء، والثقافة فعل مقاومة ضد التهميش والنسيان.
وفي تمام الساعة العاشرة والنصف، بدأ البرنامج، ووقفت المشاركات دقيقة صمت على أرواح الشهداء، تلتها كلمة افتتاحية ألقتها سلطانة خشو، مديرة وقف المرأة الحرة في سوريا، جاء فيها:
يحتفل وقف المرأة الحرة في سوريا بدخوله عامه الثاني عشر، بعد أحد عشر عامًا من النضال، منذ تأسيسه في أيلول عام ٢٠١٤. لدينا مكاتب في شمال وشرق سوريا، وفي الداخل السوري أيضًا. خلال هذه السنوات، عمل الوقف على تمكين المرأة في مختلف المجالات، من خلال لجانه المتخصصة: اللجنة الحقوقية، اللجنة المالية، لجنة التدريب، لجنة المشاريع، ولجنة الصحة.
تعمل لجنة التدريب على تقديم تدريبات نظرية وفكرية في مجال تمكين وتوعية المرأة في المجتمع، إلى جانب تدريبات عملية تشمل إنشاء حضانات ومراكز تعليمية. أما اللجنة الصحية، فتعتمد على الطب الطبيعي، والإسعافات الأولية، والعيادات المتنقلة، وتقدم تدريبات نظرية وعملية.
تعتمد لجنة المشاريع على استبيانات لتحديد احتياجات النساء، وتقوم بتطوير مشاريع مثل الخياطة، الكوافير، الأعمال اليدوية، والإنتاج المحلي. يتم عرض هذه المنتجات في دكاكين مستقلة، ضمن نموذج اقتصادي كومونالي يعزز استقلالية المرأة. أما بالنسبة للخطط المستقبلية، فيسعى الوقف إلى تعزيز مجال التدريب، وتمكين المرأة من لعب دور محوري في بناء سوريا ديمقراطية.
كما يهدف وقف المرأة الحرة في سوريا إلى توسيع التعاون بين النساء من مختلف المكونات، وتوحيد الجهود نحو مستقبل مشترك. تشمل الخطط أيضًا مشاريع تخص الطفل والطفولة، وفتح مراكز وقف المرأة في المخيمات، مثل مخيم الهول، روج، سريه كانيه، ومخيمات اللاجئين العفريين.
يهدف المعرض إلى تسليط الضوء على إبداعات النساء في مجالات الحرف اليدوية، الأزياء، والفنون البصرية، وإبراز مكانة الفن النسوي بوصفه ذاكرة حيّة وثقافة متجذّرة في الأرض. وقد تضمن المعرض أقسامًا متنوعة عرضت أعمالًا فنية وحرفية تعبّر عن التراث والهوية، من تطريزات تقليدية إلى تصاميم حديثة مستوحاة من البيئة المحلية. الهدف الرئيسي من هذه المشاريع هو إيجاد فرص عمل للنساء، ومنح قيمة معنوية ومجتمعية لعمل المرأة، إلى جانب إبراز فلكلور المكونات السورية المتعددة، في إطار وحدة وتنوع الثقافات.
لم يكن المعرض مجرد فعالية فنية، بل كان إحياءً للثقافة، ونداءً لإعادة الاعتبار لفن النساء كوسيلة للمقاومة والتوثيق والانتماء. كل غرزة وكل لون حمل في طياته حكاية امرأة وصوت مجتمع، مؤكّدًا أن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية تنسج جسورًا بين الماضي والمستقبل.
من خلال هذا الحدث، تجلّت قدرة النساء على تحويل الألم إلى معنى، والخيط والإبرة إلى نداء للحرية. وقد أعاد المعرض لفن المرأة مكانته كقيمة لا تُقاس بالمادة، بل تُقاس بالأثر، والتأثير، والقدرة على خلق اللقاء في زمن العزلة.




