أمن المرأة في روج آفا وآليات الدمج مع الحكومة الانتقالية

مقدمة:

لعبت المرأة دورًا فاعلًا في بناء الأمن الاجتماعي من خلال تأسيس مؤسسات نسائية مستقلّة، وتطبيق مبدأ الرئاسة المشتركة في جميع المستويات؛ يُعَدّ هذا التحوّل ناتجاً عن رؤية فكرية تربط تحرير المجتمع بتحرير المرأة، وهو ما جعل تجربة روج آفا نموذجاً يُحتذى به. تسعى المرأة الكردية إلى نشر هذه التجربة كأساس لبناء سوريا ديمقراطية تراعي حقوق الإنسان، ترتكز إلى الشراكة والعدالة، وترى أنّ مستقبل سوريا المتحضّرة يمرّ عبر الإشراك الكامل للمرأة في صناعة القرار. إنّ استبعاد المرأة الكردية من الحياة السياسية، والعسكرية والمدنية في المرحلة المقبلة قد يؤدّي الى خلل بنيوي في عملية الدمج؛ فالمرأة في مناطق روج آفا ليست مجرد رقم، بل هي المحرّك الأساسي لأغلب المؤسسات الخدمية والإدارية والعسكرية.

ممّا لا شكّ فيه أنّ غيابها سيتسبّب في فراغ إداري وفقدان للخبرات الميدانية التي تراكمت على مدار السنوات؛ ممّا سيجعل الدولة تبدو عاجزة عن استيعاب خصوصية المنطقة وطابعها الديمقراطي. من ناحية أخرى، إنّ تبنّي نموذج المرأة في روج آفا وتعميمه ضمن مؤسسات الدولة السورية والجيش سيمثّل قفزة نوعية نحو بناء دولة ديمقراطية حديثة؛ وهذه المشاركة ستضمن صدور القرارات الوطنية من منظور عام يراعي احتياجات المجتمع بكافة فئاته، ويجعل من سوريا نموذجاً إقليمياً في المساواة، بدلاً من تهميش قضايا حسّاسة قد تفضي لنتائج عكسية. إنّ تهميش دور المرأة سيُعيد إنتاج العقلية المركزية التقليدية؛ ممّا قد يولّد شعوراً بالإقصاء يهدّد ديمومة الاتفاقيات السياسية، لذلك المرأة في روج آفا مُطالَبة بالتمسك بالمكتسبات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي حقّقتها خلال ثورة 19 تموز. وهذه المكتسبات يمكن حمايتها من خلال انتزاع اعتراف قانوني ودستوري بخصوصية أدوارهنّ، ويحوّل هذه المكتسبات من حالة محلّية خاصّة بمنطقة معيّنة إلى ركيزة أساسية في صلب الدولة السورية الجديدة؛ وذلك لضمان حماية المرأة لنفسها ولمجتمعها من خلال المؤسسات الرسمية.

هذه الدراسة ستتناول مناقشة تطوّر المرأة في روج آفا من الناحية العسكرية والمؤسساتية، إلى جانب آليات حماية المكتسبات التي حقّقتها المرأة في منطقة روج آفا وكيفية مشاركة هذه التجربة مع عموم سوريا، كما ستحاول الدراسة تقديم بعض المقترحات المستقبلية التي يمكن أن تحافظ على المكتسبات الحالية.

المحور الأول:

تطوّر دور المرأة منذ انطلاقة ثورة روج آفا:

انطلقت ثورة روج آفا في 19 تموز 2012 من مدينة كوباني، ولم تكن مجرد انتفاضة ضد نظام البعث أو مسعى للانفصال الكردي، بل هدفت إلى تغيير جذري في بنية الدولة والمجتمع، عبر المطالبة باعتراف دستوري بالهوية الكردية (لغة وثقافة) يضمن احترام الدولة لكافّة مكوّناتها. كما دعت إلى إنهاء الأساليب القمعية، ودمج جميع المكوّنات السورية في مؤسسات الدولة. تحوّلت الثورة إلى مشروع قائم على الإدارة الذاتية والديمقراطية التشاركية، مع التركيز على تحرير المرأة كأحد أبرز أهدافها، أطلقت النساء شرارة التغيير، وتمحورت الثورة حول المرأة كركيزة أساسية. لم تكتفِ المرأة بالمشاركة في الحراك فحسب، بل حوّلت قوّتها الفكرية والجسدية إلى قوة دافعة لنجاح الثورة، وتطوّرت من الدور الداعم إلى شريكة في القيادة الفعلية. أسّست المرأة مؤسسات اجتماعية، سياسية وعسكرية، وأثبتت قدرتها على إدارة المجتمع، لا عبر بناء الهياكل فحسب، بل من خلال مقاومتها المسلّحة أيضاً؛ وبذلك حطّمت الذهنية الذكورية، وتم ترسيخ نموذج الثورة النسائية كثورة مجتمعية شاملة.

تطوّر المرأة من الناحية المؤسساتية (الإدارية):

مع انطلاقة الثورة وانسحاب النظام البعثي من مناطق روج آفا، شاركت المرأة في تأسيس الإدارة الذاتية كأول مؤسسة سياسية، وذلك عبر تشكيل الكومينات المحلّية كوحدات حكم قاعدية تدير الشؤون اليومية للسكان مباشرة، من التعليم والصحة إلى العدالة والخدمات، لتتشكّل نواة للتطوّر الإداري والثقافي، علماً أنّه تم إنشاء مراكز صحية، مؤسسات سياسية، هيئات إعلامية، ونظام عدالة تشاركي، جميعها تعمل بنظام الرئاسة المشتركة، وصولاً إلى بناء نموذج إداري مدني ديمقراطي لا مركزي يعكس تطوّراً مؤسسياً متواصلاً حتى يومنا هذا.

أنشأت المرأة مؤسسات خاصة بها قبل الثورة وتطوّرت بشكل فعاّل أثناء الثورة. فمثلاً في عام 2005 ([1]) تأسّس مؤتمر ستار كأول تنظيم نسائي منظّم في روج آفا، تحت اسم اتحاد ستار النسائي، ليشكّل إطاراً لتأهيل المرأة فكرياً وسياسياً من خلال تدريبات منتظمة في مجالات السياسة، والاقتصاد، والصحة، والإعلام. وقد عمل هذا التنظيم سرّاً في البيوت لتجاوز قمع النظام البعثي، وبنى شبكة تواصل بين النساء في مختلف مناطق روج آفا. مع انطلاق الثورة في 2012، تحوّل هذا التأهيل إلى واقع مؤسسي من خلال الإدارة الذاتية الديمقراطية، فآنذاك تم اعتماد العقد الاجتماعي وفقاً لنظام الرئاسة المشتركة كمبدأ أساسي في جميع المؤسسات، ويُلزم هذا النظام وجود رجل وامرأة في كل منصب قيادي، من المجالس المحلّية إلى الهيئات التنفيذية والوزارات العليا، ويضمن مشاركة متساوية في اتخاذ القرار، وتوقيع الوثائق، والتمثيل الرسمي، كما أنّ البلديات والمدارس والمستشفيات تُدار بنظام الرئاسة المشتركة؛ ما جعل تمثيل المرأة في المؤسسات التشريعية والتنفيذية يبلغ 50% كحد أدنى، ويزيد في بعض القطاعات مثل التربية إلى70%، وهذا النموذج لم يعد مجرّد إجراء شكلي، بل آلية جوهرية لتمكين المرأة وتحويلها من متلقّية للقرار إلى شريكة فاعلة في صناعته، مستنداً إلى فلسفة تحرير المجتمع يبدأ بتحرير المرأة. كما شاركت المرأة بشكل فاعل في صياغة العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية لروج آفا، والذي تم إقراره في2023 بعد عملية تشاركية استمرّت عامين، وشملت منظمات مجتمع مدني، أحزابًا سياسية، وحركاتٍ نسائية. تناولت المادة 78 من العقد الاجتماعي، إلى جانب مبادئ أخرى، تمثيل المرأة بنسبة 50% في جميع المؤسسات، واعتماد نظام الرئاسة المشتركة كمبدأ أساسي في جميع المجالات السياسية والإدارية، إلى جانب ضمان حرية المرأة، وحمايتها من العنف، وتمكينها من اتخاذ القرار في الشؤون التي تخصّها. جاء هذا التطوّر عبر عمل منهجي على تمكين المرأة إدارياً وسياسياً وفكرياً، ورسم سياسات استراتيجية لدورها في بناء النموذج الديمقراطي.

تطوّر المرأة من الناحية السياسية:

شهدت المرأة في روج آفا تحوّلاً سياسياً جذرياً، حيث انتقلت من الهامش إلى مركز صنع القرار في البنية السياسية؛ وتمكّنت من ذلك خلال نظام الرئاسة المشتركة الذي يُلزم بمشاركة رجل وامرأة في كل منصب قيادي، بدءاً من الكومينات إلى المجالس التنفيذية والوزارات، ما يضمن شراكة فعلية في اتخاذ القرار، إلى جانب تمثيل بنسبة 50% في جميع المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وفقاً للعقد الاجتماعي كما ذكرنا سابقاً. وقد شاركت المرأة بشكل مباشر في صياغة العقد الاجتماعي، كما لعبت دوراً استراتيجياً في صنع القرار عبر إنشاء سياسات داخلية، وإدارة الوفود السياسية الوافدة، وتمثيل مناطقها دبلوماسياً في دول الشرق الأوسط وأوروبا، وركّزت النساء على قيم تحرير المجتمع، وحرية الفرد، وتحرير المرأة، كأساس لمواجهة التهديدات.

تؤدّي المرأة الكردية دوراً محورياً في صناعة القرارات السياسية الحساسة وبناء التوافقات المجتمعية في روج آفا؛ ويتجلّى هذا الدور الدبلوماسي في تمثيل القيادية إلهام أحمد للإدارة الذاتية في المحافل الدولية، ولا سيما لقاءاتها السياسية في الكونغرس الأمريكي لحشد الدعم الدولي. وعلى الصعيد الداخلي، برزت الأمينة العامة الراحلة لحزب سوريا المستقبل، هفرين خلف، كنموذج قيادي نجح في مدّ جسور التواصل وتنظيم وتفعيل دور المكوّنات والمجتمعات العربية في المنطقة تعزيزاً للتعايش المشترك. تتميّز التجربة السياسية بتمثيل نسائي بارز وفاعل ضمن الهياكل الحزبية المختلفة؛ فبالنظر إلى الأحزاب والقوى السياسية النشطة في المنطقة، سواء تلك المنضوية تحت مظلّة الإدارة الذاتية كحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، أو تلك المتمثّلة في المجلس الوطني الكردي، يُلاحظ وجود نموذج نسوي ريادي يتبوّأ أعلى الهرم القيادي، ولا يقتصر دور المرأة في هذه الأحزاب على المشاركة التقليدية، بل يمتدّ ليُشغل مناصب الرئاسة المشتركة، والأمانة العامة، والمكاتب التنفيذية؛ مما يمنحها دوراً تقريرياً ومحورياً في صياغة السياسات وتوجيه القرارات الحسّاسة. الى جانب ذلك قامت قيادات نسائية بقيادة وفود تفاوضية مع النظام البعثي، ورفضت مشاركة النساء معه بسبب ذهنيته السلطوية، خاصة أنّ كثيراً منهنّ قضين سنوات في سجونه. وتؤكّد النساء أنّ أي اتفاق لا تفاوض فيه النساء مباشرة هو اتفاق غير شرعي وضعيف، ولا يمكن أن يصمد.

تلعب السياسيات الكرديات دورًا محوريًا في صياغة المشروع السياسي والاجتماعي في روج آفا، حيث باتت المرأة شريكة فاعلة في بناء الدولة والمجتمع، لا ربّة منزل فحسب. من خلال تنظيمات مثل مؤتمر ستار، تقدّم تقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان أمام المنظمات الدولية، وتنظم وفودًا نسائية للقاء برلمانات أوروبية بهدف شرح نموذج الديمقراطية التشاركية. كما تقود المرأة السياسة الخارجية لروج آفا، وتكون في المقدّمة أثناء أي تهديد ضدّ مناطق الإدارة الذاتية، تعرف بسعيها الدائم لتجنيب مناطقها الدمار. وعلى الرغم من التحدّيات الجسيمة، والتي من أبرزها الهجمات المتكرّرة من الدولة التركية ومحاولات التهميش من قوى إقليمية ودولية، لم تتخلَّ المرأة الكردية عن نضالها، واستطاعت كسر قيود التقاليد، وفرض وجودها في المجالات السياسية والعسكرية والثقافية، لتصبح رمزًا للمقاومة وبناء مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة والمساواة.

تطوّر المرأة من الناحية العسكرية:

لعبت المرأة في روج آفا دوراً محورياً في الدفاع عن مناطقها، ليس لمجرّد المشاركة فحسب، بل كقوة عسكرية منظّمة ومستقلّة. تأسّست وحدات حماية المرأة (YPJ) رسميًا في 4 نيسان 2013 في مدينة ديرك، كاستجابة لضرورة بناء كيان نسائي مسلّح يدافع عن المجتمع ويناضل ضد الإرهاب والذهنية الذكورية السلطوية. بدأت رحلة التأسيس بتشكيل أول كتيبة نسائية باسم الشهيدة روكن في عفرين، لتتوالى بعدها تشكيل الكتائب في قامشلو وكوباني، حتى أصبحت (YPJ) قوة عسكرية منظّمة تُحسب لها حسابات استراتيجية. شاركت هذه الوحدات بشكل حاسم في أبرز المعارك ضد تنظيم داعش، أبرزها معركة تحرير كوباني عام 2014 التي عُدّت نقطة تحوّل في الحرب ضد الإرهاب؛ حيث وقفت المقاتلات صامدات أمام هجمات داعش العنيفة، ونجحن في صدّها بدعم من الضربات الجوية للتحالف الدولي. كما لعبت (YPJ) دوراً ريادياً في تحرير مدن الرقة ودير الزور، وساهمت في تحرير أكثر من 700 امرأة وطفل إيزيدي من السبي والعبودية في مخيم الهول ممّن وقعوا في الأسر في شنكال عام 2014.

تُعَدّ (YPJ) جزءاً أساسياً من قوات سوريا الديمقراطية، وتدار بتنظيم شبه مستقل ضمن هيكلية العسكرية. قدمت الوحدات ما يقارب الألف شهيدة، منهنّ مَن شكّلن رمزاً للمقاومة، مثل آرين ميركان التي غيّرت مسار معركة كوباني من خلال عملية فدائية، ومنهنّ بيريفان وسلافا أيضاً، واللتَين كانتا من أوائل شهداء(YPJ) في عفرين. واليوم تشكل (YPJ) نموذجاً عالمياً للنضال النسائي المسلّح؛ حيث تقاتل النساء دفاعاً عن الحرية، ليس لأجل أنفسهنّ فحسب، بل لأجل جميع النساء في المنطقة، وترفض أن تنتظر التحرير، بل تصنعه بسلاحها وإرادتها. تمتلك الوحدات مراكز أمنية وعسكرية متقدّمة، تشرف على التدريب الفكري، والعسكري، واللوجستي للمقاتلات، وتُدار من قبل قيادات نسائية ذات خبرة عالية في التخطيط الاستراتيجي والعمليات الأمنية. تهدف (YPJ) إلى ضمان الحماية الذاتية للمرأة، وحماية المؤسسات النسوية والمجتمعية من أي توغّل خارجي أو انتهاك داخلي.

لم يقتصر دور وحدات حماية المرأة على الجانب الميداني فحسب، بل أحدثت ثورة فكرية غيّرت مفاهيم الحماية الذاتية للمرأة ومجتمعها بين مختلف المكوّنات. وهذا الأثر نلمسه اليوم بوضوح في صفوف قوات السوتورو النسائية؛ حيث تقف المرأة المسيحية والسريانية، الآشورية والأرمنية جنباً إلى جنب مع بقية المكوّنات، لتلعب دوراً قيادياً في تمكين النساء وحماية الاستقرار الداخلي من أي اختراقات أمنية.

هذه النجاحات والملاحم العسكرية، التي قادتها قوة نسائية منظّمة، لفتت أنظار العالم بأسره؛ فمثلا عقب معركة كوباني عام 2014، تصدّر اسم وحدات حماية المرأة الصفحات الأولى لكبرى وسائل الإعلام العالمية. وتقديرًا لهذا الدور الريادي في مكافحة الإرهاب، حظيت القيادات النسائية باعتراف دولي بارز، حيث استقبل الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند في قصر الإليزيه بالعاصمة الفرنسية باريس كلاً من القيادية العسكرية نسرين عبد الله التي دخلت القصر مرتدية بزّتها العسكرية الرسمية ([2])، والرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي آنذاك آسيا عبد الله. وقد شكّل هذا الاستقبال الرفيع، إلى جانب الجولات الدبلوماسية والتكريمات اللاحقة في عدة برلمانات وعواصم أوروبية مثل إيطاليا وبروكسل، محطّة تاريخية عكست حجم الاحتفاء الدولي بنضال المرأة وتضحياتها في روج آفا.

على صعيد آخر، يبرز الدور المحوري للقسم العسكري في قوى الأمن الداخلي من خلال تشكيلات تخصّصية؛ وفي مقدّمتها أسايش المرأة. وتتكامل مهام هذه القوة الأمنية النسائية الخاصة التي تأسست في 10 تشرين الثاني 2013 حول محاور استراتيجية تشمل حماية النساء، ومكافحة شتى أنواع الجرائم الموجّهة ضدّهن، وتأمين الاستقرار الاجتماعي في المنطقة. ميدانياً، تشارك العضوات بفاعلية في تنفيذ المداهمات الأمنية وإدارة الحواجز بمهنية عالية؛ حيث تعكس السجلات الرسمية السنوية لعام 2022 حجم هذا الدور، باستقبال مراكز أسايش المرأة ما يقارب 800 إلى 1000 شكوى وبلاغ جنائي سنوياً من النساء في مختلف المقاطعات ([3])، وينبثق عن هذا التشكيل مكتب مكافحة الجريمة المنظّمة، والذي يتولّى مهاماً أمنية بالغة الحساسية، أبرزها تفكيك شبكات الاستغلال، ومكافحة جرائم الدعارة القسرية. وفي إطار رصد ومكافحة تداول المواد الممنوعة، تُشير البيانات الأمنية السنوية بانتظام إلى إحالة عشرات القضايا الحساسة إلى المكتب، ومنها ما يتراوح بين ملفات تعاطي وترويج المخدّرات، وقضايا التزوير وانتحال الشخصية، بالإضافة إلى جرائم القتل العمد التي تقع النساء ضحيتها أو يتورّطن فيها. كما يختصّ المكتب بالتعامل القانوني والجنائي مع النساء المتورّطات، فضلاً عن ملاحقة خلايا الإرهاب والجرائم العابرة للحدود، مدعوماً بتأهيل مستمرّ لعضواته عبر الأكاديميات التخصّصية (مثل أكاديمية الشهيدة هيرا) التي تُخرّج مئات العضوات سنوياً لضمان تحصين المجتمع وحفظ السلم الأهلي.

تركّز العقيدة العسكرية على بناء قدرات دفاعية مستقلّة، وتعمل على صون حقوق المرأة ضمن الإطار الديمقراطي، وتلعب دوراً محورياً في تحرير النساء من هيمنة الأنظمة الذكورية. تُعَدّ هذه البنية الأمنية النسائية نموذجاً فريداً في تمكين المرأة عسكرياً وأمنياً، وتعزّز مشاركتها الفعّالة في بناء مجتمع ديمقراطي عادل.

تطوّر المرأة من الناحية الاجتماعية:

تمكّنت المرأة في مناطق الإدارة الذاتية من تحقيق مكتسبات كبيرة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، من خلال إنشاء مراكز تمكين المرأة، ومؤسّسات متخصّصة كهيئة المرأة ومؤتمر ستار، واللتَين تعملان على دعم حقوق النساء وتعزيز مشاركتهنّ في كافة المجالات. تمكّنت المرأة من الريادة في المجالات الإدارية، والسياسية، والعسكرية، وتحويل هذه المواقع إلى أدوات لتعزيز قوّتها الاجتماعية؛ حيث تم سَنّ قوانين نسوية متقدّمة تجرم زواج القاصرات وتعدّد الزوجات والعنف ضد المرأة، كما تم ترسيخ مبدأ المرأة الحرّة تحرّر المجتمع بأكمله عبر مراكز فكرية وتنظيمات توعوية، ما شكل نموذجاً حيًّا للتمكين الشامل والعدالة الاجتماعية، وامتدّ دورهنّ إلى المجالات الثقافية، والإعلامية، والاجتماعية، والصحية، إضافة إلى مشاركتها الفاعلة في الاقتصاد عبر مشاريع تعاونية ومهنية، وتأهيل النساء المعيلات والنازحات من خلال مراكز التدريب المهني.

نجحت المرأة في إحداث تحوّل جذري في ذهنية المجتمع وتطويره، فمع انطلاق الثورة، تبدّلت الكثير من المفاهيم المجتمعية السائدة التي كانت راسخة سابقاً بفعل السياسات التي فرضتها القوى الإقليمية على المنطقة، وبرز بعد الثورة تطوّر مشهود في مفهوم الحماية الذاتية لدى المرأة.

اليوم، نرى أنّ هذه التجربة الغنية ستنعكس إيجاباً على كافة المكوّنات السورية، ويظهر ذلك جلياً في أعمال مثل مؤتمر ستار وتجربة تجمّع نساء زنوبيا في الرقة. ومن هذا المنطلق، بات بمقدور هؤلاء النساء نقل تجربتهنّ الرائدة وتعميمها على مختلف المناطق السورية، للمساهمة في تطويرها استناداً إلى ما حقّقته من نجاحات وإنجازات على المستويات الأسرية، والمجتمعية، والمهنية، والفكرية؛ إذ إنّ الانخراط الفعّال للمرأة في كافة مفاصل ومؤسسات الإدارة الذاتية، وتأسيسها لوحدات حماية المرأة وانتشارها، جاء كأبرز الثمار والنتائج الملموسة لهذه الثورة الفكرية الشاملة.

عقب التطوّرات الجوهرية التي شهدتها المنطقة، والتي شاركت فيها المرأة بشكل فاعل ومحوري، ومع بدء ملامح مرحلة الاندماج مع الدولة السورية، تفرض بعض الممارسات والأساليب الحالية على أرض الواقع تساؤلات حاسمة حول مصير هذه المكتسبات؛ إذ تسود حالة من الضبابية حول ما إذا كانت هذه الإنجازات ستحافظ على زخمها الحالي، أم أنّها ستتعرّض للتقليص والانكماش، أم ستحظى بفرص أكبر للتطوّر. وأمام هذا المشهد، تتكثّف جهود النساء السياسيات والكوادر ذوات الخبرة لحماية هذه المكتسبات وضمان استدامتها، والعمل على استثمار مرحلة ما بعد الدمج الشامل لتطوير هذه التجربة وتعميم فائدتها لتشمل بقية المناطق السورية.

المحور الثاني:

الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية للمرأة في ظل عملية الدمج:

يتمحور تمكين المرأة في سوريا حول ثلاثة أبعاد رئيسية: ترسيخ المناصفة في الدستور، والاعتراف بالقوى النسائية المنظّمة كجزء من منظومة الدفاع، وتعزيز دورها القيادي لمواجهة الفكر الذكوري. تسعى هذه الاستراتيجية الشاملة إلى تحويل المرأة من دور هامشي إلى شريك أساسي في صنع القرار وبناء مجتمع ديمقراطي وعادل.

البعد السياسي:

تجاوز البُعد السياسي لتمكين المرأة مجرد تطوير الأدوار النسائية، ليُرسي مكتسباتها في صميم الدولة من خلال إدراجها في الدستور السوري الجديد؛ وهذا يتطلّب المطالبة بضمانات دستورية صريحة تُكرّس مبدأ المناصفة القانونية والحقوقية بين الجنسَين، وتُعتمد تجربة المرأة الكردية كنموذج حيّ لبناء سوريا ديمقراطية. إنّ نجاح هذه الخطوة يبدأ بضمان تمثيل نسائي واسع وفعّال في لجان صياغة الدستور، للعمل جنبًا إلى جنب مع الرجال، والاستفادة من تجربة العقد الاجتماعي، كما يجب على المرأة أن ترفض أي هيمنة مركزية تسعى لتهميش هذه التجربة، وتعمل على تعميمها لتصبح أساساً لدولة تضمن حقوق جميع نساء سوريا.

يتعيّن على الحاضنة الشعبية، باعتبارها الركيزة الأساسية للحراك التغييري، أن تضطلع بمسؤوليّتها في حماية المكتسبات التاريخية التي حقّقتها المرأة في المناطق الكردية، ورفض أي محاولات لتهميش دورها الريادي في صياغة ملامح سوريا الجديدة. وبناءً عليه، يغدو من الضروري إدماج القيادات النسائية اللواتي عملن لسنوات على تطوير مجتمعاتهن وحمايتها، ويمتلكن فهماً عميقاً لخصوصية النسيج الاجتماعي المحلّي، في المشهد السياسي العام؛ وذلك عبر تمكينهن من تبوّء مواقع القيادة في الأحزاب السياسية الوطنية، والبرلمانات، والمجالس المحلّية، وحتى الحقائب الوزارية.

إنّ الدولة والحكومة المستقبلية هما المستفيد الأكبر من استثمار هذه الخبرات التراكمية والتجارب الميدانية الواسعة، لا سيما بعد أن أثبتت المرأة كفاءة استثنائية في الميادين السياسية والدبلوماسية. وفي سياق الجهود الراهنة ومسارات التنسيق والدمج بين الإدارة الذاتية والمركز، تؤدّي المرأة دوراً جوهرياً ومحورياً يعادل ثلث الجهود المبذولة لإنجاح قنوات التواصل والدمج على الصعيدَين السياسي والاجتماعي، ممّا يثبّت مكانتها كشريك أساسي لا غنى عنه في بناء الاستقرار وصناعة القرار.

تتجلّى كفاءة المرأة في روج آفا بوضوح من خلال قيادات بارزة، وفي مقدّمتهن الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد والقيادية العسكرية نسرين عبد الله، إلى جانب ممثّلات عن المؤسسات والمنظّمات النسائية، وتصدّرهنّ للمشهد في مباحثات التنسيق والدمج مع الحكومة، ويأتي هذا الحضور القيادي نتاجاً للخبرات السياسية والتفاوضية العالية التي تراكمت لديهن على مدار سنوات من إدارة الملفات المعقّدة. إنّ وجود هذه الشخصيات في طليعة الوفود لا يمثل حالة استثنائية، بل هو انعكاس لقاعدة عريضة تضمّ المئات من النساء ذوات الكفاءات والخبرات السياسية العالية في المنطقة، واللواتي يمتلكن القدرة على قيادة وإنجاح مسارات الشراكة والدمج، ويؤكّد هذا الحضور الراسخ أنّ تمثيل المرأة وضمان حقوقها ومكتسباتها يشكّل شرطاً أساسياً وجوهرياً لأي عملية سياسية أو تفاوضية تهدف إلى بناء استقرار حقيقي ومستدام في مستقبل البلاد.

البُعد الأمني:

لا يقتصر البُعد الأمني في المجتمعات الحديثة على المنظور العسكري التقليدي، بل يمتدّ ليشمل حماية المرأة وتمكينها كركيزة أساسية للاستقرار المجتمعي. وفي هذا السياق، تمثّل وحدات حماية المرأة (YPJ) نموذجاً فريداً يتجاوز فكرة التسلّح؛ إذ لا تعمل كقوة دفاعية فحسب، بل ككيان تنظيمي ومؤسساتي فاعل يدير ويحمي النساء في كافة مراكز العمل والحياة اليومية. تتجاوز مهام هذه الوحدات النطاق العسكري البحت لتشمل توفير مظلّة أمنية وإدارية متكاملة، لا سيما للنساء العاملات في مؤسسات الإدارة الذاتية والمؤسسات المدنية المختلفة. ومن الناحية الهيكلية، فإنّ كافة الكوادر النسائية في السلكَين العسكري والأمني، بما في ذلك قوات الأمن الداخلي (الأسايش) والأفرع الأمنية الأخرى، ترتبط برباط تنظيمي وثيق مع الوحدات، ممّا يعزّز حضورها المؤسساتي القوي في المنطقة. إلى جانب دورها في ردع الفصائل المسلّحة، تضطلع الوحدات بمسؤولية مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومواجهة البنى الذكورية المهيمنة. كما تتولى دوراً إنسانياً واجتماعياً بارزاً من خلال تقديم الرعاية الشاملة لمصابات الحرب وذوات الاحتياجات الخاصة. إنّ هذه القدرة الإدارية والتنظيمية الواسعة تجعل من وحدات حماية المرأة مرجعية متكاملة تتولّى قيادة شؤون المرأة، وتسهم بفعالية في بناء مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة، والمناصفة، وصون الكرامة الإنسانية عبر آليات حماية مستدامة.

رغم الصعوبات والرفض المبدئي من بعض الجهات، تصرّ الحركة النسائية المسلّحة على أهدافها الاستراتيجية المتعلّقة بحماية المرأة والمجتمع. خلال المرحلة الانتقالية في سوريا، تقدّمت وحدات حماية المرأة بمسودّة رسمية لوزير الدفاع السوري تطالب بدمجها ضمن هيكلية وزارة الدفاع، مع ضمان وجودها القانوني والدستوري واحترام هويتها وزيّها العسكري. تطالب (YPJ) بالتمثيل في الألوية الأربعة التي تشكّلت من قوات سوريا الديمقراطية، وفي قيادات الفرق العسكرية والهيئة الاستشارية لوزارة الدفاع. ورغم أنّ المفاوضات ما زالت في مراحلها الأولية ولم تفضِ إلى اتفاق نهائي، فإنّ هذه المبادرة تمثّل خطوة جوهرية نحو الاعتراف بالقوة النسائية المنظّمة كجزء لا يتجزّأ من منظومة الدفاع السورية، وليس كقوة موازية أو محدودة في الأدوار الأمنية.

تشير القراءة الواقعية للهياكل التنظيمية الحالية للدولة السورية إلى غياب أطر ومؤسسات مماثلة مخصّصة حصرياً لإدارة شؤون المرأة في هذه القطاعات الحيوية. وبناءً على ذلك، تظلّ الاحتمالية قائمة بأن تضطرّ الدولة في نهاية المطاف إلى الاستعانة بـ (YPJ)والاستفادة من خبراتها المتراكمة؛ وذلك لفهم الخصوصية السوسيولوجية والأمنية للمنطقة من جهة، ولإدارة قطاع العمل العسكري النسوي والمؤسسات المدنية المرتبطة به من جهة أخرى.

بناء على آخر التطوّرات الميدانية في مسار التفاهمات، يُلاحظ استمرار التحفّظ أو الرفض القاطع لدمج التشكيلات العسكرية النسائية ضمن الهياكل الرسمية لوزارة الدفاع السورية. وفي ضوء هذا الموقف، يبرز سيناريو أمني بالغ الحساسية والخطورة: إنّ فرضية تخلّي وحدات حماية المرأة عن سلاحها، بالتزامن مع انشغال القوات العسكرية العامة بترتيبات الدمج والتدريبات اللوجستية في دمشق، تنطوي على مخاطر أمنية وجودية تهدّد استقرار المنطقة. إنّ هذا التحوّل من شأنه أن يخلق فراغاً عسكرياً وميدانياً يمنح تنظيم داعش فرصة مثالية لشنّ هجمات مباغتة ضدّ المناطق الكردية، مستنداً في ذلك إلى عداء عقائدي. وأمام هذا المشهد المعقّد، تبرز شكوك حقيقية حول مدى جاهزية وقدرة الجيش السوري على توفير حماية فورية ومستدامة لهذه الجغرافيا، والأهم من ذلك، عجزه المتوقّع عن تأمين حماية فعّالة ومخصّصة للمرأة الكردية التي شكّلت هدفاً مباشراً للتنظيم، وذلك نتيجة غياب القوة الذاتية المحلّية التي كانت تمثّل خط الدفاع الأول والضمانة الأمنية الأبرز لها. علاوة على ذلك، فإنّ انسحاب هذه الكوادر النسائية المنظّمة من المشهد لن يقتصر أثره على الجانب العسكري فحسب، بل سيمتدّ ليشمل زعزعة الاستقرار الإداري والمدني، نظراً لافتقار مؤسسات الدولة السورية في الوقت الراهن إلى الإمكانات والآليات اللازمة لإدارة حزمة المهام الأمنية، والاجتماعية، والخدمية المعقّدة التي تضطلع بها الوحدات حالياً تجاه نساء المنطقة.

بالنتيجة، وبناء على المعطيات والوقائع الراهنة، يغدو الخيار الأمثل والمسار الأكثر واقعية هو توصّل وحدات حماية المرأة والدولة السورية إلى تفاهم مشترك يضمن الحفاظ على الخصوصية الهيكلية والوظيفية لهذه الوحدات، مع إجراء بعض التغييرات في آليات التنسيق بخصوص أمن المنطقة. وهذه المقاربة لا تشكّل مصلحة حيوية للوحدات فحسب، بل تمثّل أيضاً قيمة مضافة ومكسباً استراتيجياً للدولة السورية؛ إذ تتيح إدماج تشكيلات ذات خبرة ميدانية وتعبوية عالية وضمن أطر تنظيمية مُحكَمة تكفل استقرار المنطقة، حتى في حال تم إدراجها رسمياً ضمن هيكلية وزارة الدفاع.

البُعد الاجتماعي:

يُعَد البُعد الاجتماعي للمرأة في المنطقة محورًا أساسيًا لدعم تمكينها في الأسرة والمجتمع؛ حيث تلقّت دعماً من حركات نسوية داخلية وخارجية. ورغم التقاليد الذكورية، فقد اجتهدت المرأة على تطوير ذاتها وقيادة مؤسسات الأسرة والمجتمع، ومحاربة الفكر الذكوري، وتحقيق المناصفة في العقد الاجتماعي. أدّى هذا النضال إلى حضور قوي للمرأة في المجالات الحيوية، لا سيما التعليم والصحة. فهي تسهم بشكل فعّال في تطوير المناهج الدراسية، وتمارس التدريس بلغات متعدّدة، كما تتفوّق في قطاع الصحة، حيث تشكّل نسباً أكبر من الرجال، وتنشط في التدريب والتطوير الطبّي، وتعنى بتمكين المراهقات والنساء. رغم هذا التقدّم، تواجه تحدّيات جسيمة من التقاليد الذكورية المتشدّدة التي تسعى لحرمانها من القيادة، إضافة إلى ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي. ومع ذلك، قادت المرأة الكردية نضالاً منظّماً من أجل العدالة والمناصفة، مستندةً إلى حركة نسائية ترفض الهيمنة الذكورية وتسعى لبناء مجتمع ديمقراطي قائم على الشراكة. بعض الناشطات والنساء اللاتي يتولّين إدارة شؤن النساء في المنطقة اعترفن بوجود أخطاء داخل الحركة النسائية، مثل الدعوة إلى كراهية الرجل، في حين أنّ الجهود تركّز الآن على تعزيز الفكر التحرّري القائم على الحوار والمساواة، وليس على المواجهة، لضمان تفاهم حقيقي بين الجنسَين في الأسرة والمجتمع.

مع البدء بمرحلة الدمج، يغدو من الضروري عدم تفكيك الأعمال والأنشطة النسوية المتخصّصة في الشؤون الاجتماعية، أو تقليص دورها بأي شكل من الأشكال؛ بل على العكس تماماً، تبرز حاجة ملحّة لتطوير هذه الجهود الاجتماعية، وتأسيس مؤسسات تخصّصية جديدة تعمل تحت مظلّة الدولة وضمن المناطق الكردية، لضمان استمرارية هذا العمل ونموّه بكفاءة عالية. وفي المحصّلة، فإنّ الخصوصية والتميّز اللذين حظيت بهما المناطق الكردية مقارنة بالمناطق الأخرى كانتا ثمرة للجهود الاستثنائية التي بذلتها النساء؛ حيث لعبت المرأة دوراً محورياً وفعّالاً في قيادة التطوّر الاجتماعي والتوعوي الذي شهدته المنطقة.

المحور الرابع: آليات حماية إنجازات المرأة أثناء الدمج:

ممّا لا شكّ فيه أنّ المرأة في روجآفا قد أسّست نموذجاً يُحتذى به، لا على مستوى الجغرافية السورية فحسب، بل تمتد تأثيراتها إلى منطقة الشرق الأوسط التي لا تحظى فيها المرأة بدور كبير؛ ومن هنا فإنّه أثناء الدمج مع الحكومة الانتقالية السورية التي لم تحدّد شكل حقوق المرأة في الدستور القادم، ولم تحدّد كذلك موقفها من قوانين الأحوال الشخصية ووجهة نظرها تجاه الكوتا النسائية في المؤسسات الرسمية، إلى جانب المساواة القانونية الكاملة والحريات الاجتماعية، تحتاج حماية إنجازات المرأة في روج آفا إلى وثيقة شاملة تحدّد فيها هذه الحقوق، كما أنّه يتطلّب من المرأة في روجآفا تحويل المكاسب الاجتماعية والسياسية الحالية من “تجربة أمر واقع” إلى ضمانات دستورية وقانونية ومؤسساتية يصعب التراجع عنها؛ وذلك يحتاج إلى سلسلة من التحرّكات الدبلوماسية والسياسية والاجتماعية من أجل الوصول إلى مجتمع آمن للمرأة.

بناء التحالفات النسائية المحلّية والدولية:

نجحت المرأة في روجآفا في بناء شبكة واسعة من التحالفات النسائية المحلّية والدولية، عبر ربط نضالها من أجل الحقوق السياسية والاجتماعية بقضايا أوسع، مثل الديمقراطية والعدالة والمشاركة المجتمعية على مستوى الدول. فعلى المستوى المحلي، عملت التنظيمات النسائية على تأسيس شراكات بين النساء الكرديات والعربيات والسريانيات والأرمنيات داخل المجالس المدنية والمؤسسات المجتمعية؛ الأمر الذي ساهم في تحويل قضية المرأة من مطلب فئوي إلى قضية مجتمعية مشتركة بين جميع النساء. كما أنّ الأكاديميات النسوية ومنظّمات المجتمع المدني قد لعبت دوراً في نشر الوعي القانوني والسياسي وتعزيز مشاركة النساء في الإدارة وبناء المؤسسات. أمّا على المستوى الدولي، فقد قامت المرأة في روجآفا ببناء علاقات مع منظّمات حقوق الإنسان، والحركات النسوية العالمية، وهيئات الأمم المتحدة، إضافة إلى شبكات تضامن نسوية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، مستفيداتٍ من الاهتمام العالمي بتجربة المرأة في روجآفا، خصوصاً بعد الدور الذي لعبته المقاتلات الكرديات في صدّ هجمات تنظيم داعش؛ وقد أسهمت هذه التحالفات في إيصال صوت المرأة في روجآفا إلى المحافل الدولية، والضغط من أجل حماية مكتسباتهنّ السياسية والقانونية ضمن أي تسوية مستقبلية في سوريا.

إنّ بناء التحالفات النسائية على مستوى سوريا وحتى الشرق الأوسط والعالم يعد من الخطوات التي ستساهم في تثبيت حقوق المرأة في مستقبل سوريا عبر الضغط على الحكومة السورية الانتقالية من اجل التعامل مع هذه الملف بشكل أكثر مرونة، لذا فإنّ توحيد الصف النسوي السوري يُعَدّ خطوة أساسية؛ وعندما تُطرح حقوق المرأة باعتبارها قضية وطنية سورية لا مطلباً خاصاً بمنطقة أو مكوّن معين فإنّ أي ضغط سيكون أكثر فاعلية. لذلك يمكن للمرأة في روجآفا بناء تحالفات مع الحركات النسوية في دمشق وإدلب والساحل والجنوب، والعمل على إعداد مذكّراتٍ مشتركة ومطالبَ موحّدة تتعلّق بالمساواة والتمثيل السياسي والإداري.

كما أنّ المجتمع المدني والإعلام يشكّل وسيلة ضغط مهمّة؛ إذ تستطيع المنظّمات النسوية توثيق أي تراجع في الحقوق أو محاولات إلغاء القوانين التقدّمية، ثم تحويل هذه القضايا إلى نقاش عامّ محلّي ودولي عبر تقديم التقارير الحقوقية، والقيام بحملات إعلامية، وتنظيم المؤتمرات الخاصة بالمرأة، وتكثيف الحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ وهذا من شأنه أن يخلق كلفة سياسية للحكومة الانتقالية في محاولتها تقليص مشاركة المرأة في مستقبل البلاد.

الضغط من أجل اعتراف دستوريّ بدور المرأة:

إنّ تحويل المكاسب السياسية والعسكرية والاجتماعية إلى مكاسب دستورية للمرأة في روجآفا وحتى في سوريا أيضاً يحتاج إلى ممارسة ضغوطات وحملات؛ فمثلا يمكن الاستفادة من العلاقات الدولية، لأنّ الحكومة الانتقالية تحتاج إلى اعتراف سياسي ودعم اقتصادي خارجي. لذلك تستطيع الحركات النسائية الضغط عبر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات الحقوقية الدولية وبرامج إعادة الإعمار والدعم الإنساني، بحيث يتم ربط جزء من الدعم الدولي مع احترام حقوق النساء وتمثيلهنّ السياسي.

الحفاظ على استقلالية المؤسسات النسائية في روجآفا يُعَد في غاية الأهمّية، لأنّ فقدان البنية التنظيمية المستقلّة يجعل النساء أكثر عرضة للتهميش بعد أي عملية دمج إداري أو أمني، كما يمكن الاستفادة من القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وخاصة القرار 1325 الخاص بالمرأة والسلام والأمن، للمطالبة بإشراك المرأة في عمليات السلام وصنع القرار وحمايتها من التمييز خلال المرحلة الانتقالية، كما يجب التركيز على المشاركة المباشرة في عملية صياغة الدستور، عبر المطالبة بنسبة تمثيل نسائي ملزِمة داخل اللجنة الدستورية، ولجان الحوار الوطني، وهيئات العدالة الانتقالية؛ لأنّ غياب النساء عن طاولة كتابة الدستور غالباً سيؤدّي إلى تهميش قضاياهنّ أو اختزالها بصيغ عامة وغير ملزِمة، كما يمكن إعداد مسودات ومقترحات دستورية جاهزة تتضمّن مواد واضحة، مثل المساواة الكاملة أمام القانون، وحظر التمييز على أساس الجنس، وضمان التمثيل السياسي للمرأة، إلى جانب حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتجريم العنف القائم على النوع الاجتماعي، ووجود نصوص قانونية دقيقة يساعد على تحويل المطالب من شعارات عامة إلى بنود قابلة للتفاوض والإقرار الدستوري.

أخيرًا، إنّ نجاح قدرة المرأة في روجآفا على تحويل تجربتها من “تجربة محلّية استثنائية” إلى نموذج يُنظر إليه كجزء من مستقبل سوريا الديمقراطي، يمرّ عبر إقناع شرائح أوسع من السوريين بأنّ مشاركة النساء ليست قضية رمزية فحسب، بل عامل أساسي للاستقرار والعدالة وإعادة بناء الدولة التي عانت ولا زالت تعاني من حالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

المحور الخامس: تحليل مستقبليّ ومقترحات استراتيجية

استطاعت المرأة في روجآفا خلال السنوات الماضية بناء حضور سياسي واجتماعي وعسكري غير مسبوق في المنطقة، عبر أنظمة الرئاسة المشتركة والمجالس المحلّية والتنظيمات المدنية والعسكرية؛ إلّا أنّ هذه التجربة لا تزال تواجه تحدّيات مرتبطة بعدم الاستقرار السياسي، والصراع العسكري، والضغوط الإقليمية، واحتمالات إعادة بناء الدولة السورية بشكل مركزي قد يحدّ من استقلالية المؤسسات النسائية في روجآفا. ومن المتوقّع مستقبلاً أن تصبح قضية المرأة إحدى القضايا الأساسية في أي تسوية سياسية تخصّ روج آفا، لذلك فإنّ قدرة النساء في الحفاظ على التنظيم المستقلّ والمؤسسات المجتمعية ستحدّد حجم الدور الذي سيستمرّ لهنّ داخل أي نظام سياسي قادم. وفي المقابل، توجد فرص حقيقية لتطوير التجربة إذا ما تمّ تحويل المكاسب الحالية إلى قوانين دستورية دائمة، وتعزيز التحالفات مع النساء في مختلف المناطق السورية، وربط قضية المرأة بالديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل عام وليس بالإطار القومي أو المحلّي الضيّق فحسب. ومن المقترحات الاستراتيجية المهمّة إنشاء هيئة وطنية مستقلّة لحماية حقوق المرأة، وتطوير برامج تعليم وتدريب سياسي وقانوني للفتيات، ودعم الاقتصاد النسائي والمشاريع التعاونية، وتعزيز مشاركة النساء في مؤسسات القضاء والإدارة والإعلام.

– إنشاء هيئة وطنية لحماية حقوق المرأة:

يمكن إنشاء هيئة وطنية لحماية حقوق المرأة في روجآفا عبر تأسيس مؤسّسة مستقلّة من الناحية القانونية والسياسية، تكون مهمّتها الأساسية حماية حقوق المرأة ومراقبة الانتهاكات، والدفاع عن المشاركة المتساوية في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى العسكرية أيضاً، على أن تضمّ هذه الهيئة تمثيلاً متنوّعاً من النساء من المكوّن الكردي والعربي والسرياني والإيزيدي ومن مختلف المناطق والخلفيات المهنية، حتى تكتسب شرعية مجتمعية واسعة ولا تُعَدّ مرتبطة بتيّار واحد فقط. ويجب أن تُبنى الهيئة على قانون أو ميثاق واضح يحدّد صلاحياتها واستقلاليّتها وآليات اختيار أعضائها وتمويلها، بحيث تمتلك القدرة على استقبال الشكاوى وتوثيق الانتهاكات وتقديم الدعم القانوني والنفسي للنساء، وإصدار تقارير علنية والضغط من أجل سَنّ قوانين تحمي المرأة من العنف والتمييز الاجتماعي. كما يمكن إنشاء مكاتب محلّية في المدن والبلدات لتكون قريبة من المجتمع، وتوفّر مراكز حماية وخطوط دعم وبرامج توعية، إلى جانب التعاون مع المدارس والقضاء ووسائل الإعلام لنشر ثقافة المساواة والعدل وحقوق المرأة. ومن المهم أيضاً أن تحافظ الهيئة على استقلالها المالي عبر ميزانية شفّافة ودعم مدني وحقوقي غير خاضع للسيطرة الحزبية، وأن تبني علاقات مع منظّمات دولية للاستفادة من الخبرات والدعم القانوني والحقوقي. علماً أنّ نجاح هذه الهيئة يعتمد على قدرتها على الجمع بين التنظيم الشعبي والعمل القانوني والتحالفات المجتمعية الواسعة، وذلك لتبقى قادرة على حماية مكاسب المرأة في أي مرحلة سياسية أو انتقالية مستقبلية في سوريا.

– دعم المشاريع الاقتصادية النسائية المستقلّة:

يُعَدّ دعم المشاريع الاقتصادية النسائية المستقلّة في روجآفا من أهم الخطوات التي قد تعزّز دور المرأة وضمان استقلاليتها الاجتماعية والسياسية؛ لأنّ الاستقلال الاقتصادي يمنح النساء قدرة أكبر على المشاركة في صنع القرار ومواجهة أشكال التبعية والعنف والتمييز، وبالعكس. وقد ساهمت التجربة التعاونية في روجآفا في فتح مجالات جديدة أمام النساء للعمل والإنتاج، من خلال التعاونيات الزراعية والحرفية والخدمية؛ إلّا أنّ هذه المشاريع ما تزال تواجه تحدّياتٍ تتعلّق بضعف التمويل، والحصار الاقتصادي، وقلّة فرص التسويق والتدريب المهني. لذا، فإن تطوير استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد لدعم النساء يتطلّب توفير صناديق تمويل صغيرة، وبرامج تدريب إداري وتقني، وإنشاء أسواق ومراكز تسويق محلّية، إضافة إلى تشجيع المشاريع الجماعية التي تعزّز روح التعاون والاستدامة لهذه المشاريع.

– تعزيز العدالة الانتقالية الحساسة للنوع الاجتماعي:

يُعَدّ تعزيز العدالة الانتقالية الحسّاسة للنوع الاجتماعي في روجآفا خطوة أساسية لضمان بناء مجتمع قائم على الإنصاف والمصالحة بعد سنوات طويلة من الحرب والصراع؛ إذ إن النساء كنّ من أكثر الفئات التي تعرّضت للعنف والانتهاكات والنزوح وفقدان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ولذلك فإنّ أي عملية عدالة انتقالية ينبغي أن تراعي خصوصية التجارب التي عاشتها المرأة، من خلال توثيق الانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي، وتوفير آليات قانونية ونفسية لحماية الناجيات ودعمهنّ، وضمان مشاركتهنّ المباشرة في لجان الحقيقة والمصالحة وصنع القرارات المتعلّقة بمستقبل المجتمع، كما يتطلّب ذلك تطوير قوانين تجرّم العنف ضد المرأة وتعزّز المساواة داخل مؤسسات القضاء والإدارة، إضافة إلى تدريب القضاة والكوادر القانونية على التعامل مع قضايا المرأة بطريقة عادلة وحسّاسة للظروف الاجتماعية والنفسية.

بالإضافة إلى آليات أخرى، ومنها تعزيز المشاركة السياسية للنساء في المفاوضات والحوارات الوطنية، وضمان تمثيل النساء بشكل فعليّ في أي مفاوضات تخصّ مستقبل سوريا، وعدم الاكتفاء بالتمثيل الشكليّ، لأنّ مشاركة النساء في عمليات السلام وصنع القرار تسهم في بناء حلول أكثر استقراراً وعدالة. ويمكن العمل على إعداد كوادر نسائية متخصّصة في مجالات التفاوض والدبلوماسية والسياسات العامة بمختلف مجالاتها، كما أنّه بالإمكان إنشاء مراكز أبحاث ودراسات خاصة بقضايا المرأة تهتمّ بدراسة أوضاع المرأة في روج آفا، وتوثيق التجربة النسائية في روجآفا، وإعداد إحصاءات ودراسات تساعد صنّاع القرار على بناء سياسات أكثر فعالية في مجالات التعليم والعمل والحماية الاجتماعية. وأخيراً إطلاق برامج لمحو الأمية القانونية للمرأة، فهناك عدد كبير لا يمتلكن معرفة كافية بحقوقهنّ القانونية، لذلك يمكن تنظيم دورات توعية حول قوانين الأحوال الشخصية والعمل والميراث والحماية من العنف، بما يعزّز قدرة النساء على الدفاع عن حقوقهنّ.

مصدر:مركز روج افا للدراسات الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى