البرلمان الجديد يجتمع بين الصدمة والخيبة…
بقلم: ر. تولهلدان

بعد تأجيلات متكررة، عُقدت الجلسة الأولى لأول مجلس شعب بعد سقوط نظام البعث، وذلك في ظل ظروف قاسية يمر بها البلاد. على الصعيد الداخلي، لا يزال البلد يعيش في حالة من عدم الاستقرار، والانفلات الأمني، والتدهور الكبير في الأوضاع المعيشية. وفي الوقت نفسه، تسارع الحكومة باتجاه الساحة الدولية مغمضة عينيها عن واقع الشعب الذي ضحى وقدم القرابين؛ الشعب الذي تطلع إلى نيل حياة كريمة، لا أن تُدار شؤونه بسياسة الوعود الخيالية والخطابات الرنانة.
ورغم كل الاستعدادات والتأجيلات المتتالية، مرت الجلسة الأولى شبيهة بحال البلاد المليء بالاضطرابات وعدم الاستقرار. وتحولت مجريات الجلسة إلى مادة دسمة على منصات التواصل الاجتماعي؛ بدءاً من الكلمات التي تفوه بها رئيس السن (رئيس الجلسة الأكبر سناً) والمزاح الذي اعتبره البعض بمثابة ردٍ على مجلس الشعب السابق، وصولاً إلى الحذر والانتباه المخطط لهما واللذين فُرِضا في الجلسة الأولى لمجلس الشعب لإظهار صورة جديدة. ومع أن حقيقة مجلس الشعب مختلفة وتتناقض مع الواقع، نظراً لأن ثلث المجلس عُيّن من قِبل “الشرعي” (صاحب السلطة الشرعية/الدينية) بينما اختير بقية الأعضاء من قِبل لجان محلية، دون أن يشارك الشعب مطلقاً في انتخابات برلمانه.
لقد عُلّقت آمال كبرى وتراكمت ملفات كثيرة بحاجة إلى حسم، غير أن مجريات الجلسة الأولى شكلت صدمة للشعب الذي كان يأمل برؤية برلمان منتخب يلبي تطلعاته ويمثل جميع السوريين بشكل عادل.
وقد أثارت مجريات الجلسة الأولى العديد من علامات الاستفهام؛ إذ جاءت منافية للمبادئ البرلمانية ومثلت تجاهلاً واضحاً للتعددية. فالقسم الجماعي كان تجسيداً لتجاهل التعددية الدينية والمذهبية، ومؤشراً على عقلية اللون الواحد التي تحاول “الحكومة السورية المؤقتة” فرضها. كما أن انتهاك الأعراف البرلمانية، مثل دخول “الشرعي” إلى قاعة المجلس قبل انتخاب رئيسه، يعكس سياسة الإقصاء التي تنتهجها الحكومة المؤقتة. وإذا نظرنا إلى مجمل الأحداث المتعلقة بمجلس الشعب، سنجد أن المجلس قد خرج من يد حزب البعث ليفع في يد “الشرعي” نفسه اليوم دون أدنى نقاش. فبما أنه هو من عيّن ثلث الأعضاء بنفسه، فقد تلاعب بالوتر الثوري، كما تم تعيين البعض الآخر لإرضاء جهاتهم السرية، رغم تاريخهم الأسود الحافل باستغلال الثورة والسوريين.
لقد انتظر السوريون لسنوات طوال حتى يكون لديهم برلمان حقيقي يجمع تحت سقفه كافة أطياف الشعب السوري، ويكون لبنة أولى للعدالة الاجتماعية وركيزة لتعزيز الديمقراطية. ولكن عوضاً عن ذلك، خيمت الخيبة على أول برلمان يتأسس بعد سقوط نظام البعث. ففي الجلسة الأولى، اتضحت هيمنة السلطة على البرلمان، وتبين أن كل شيء قد تم الإعداد والتخطيط له مسبقاً. وقد أبدى الأعضاء امتعاضهم من اختيار الرئيس ونوابه الذين حُدِّدوا مسبقاً في القصر. وما كانت تروج له وسائل إعلام السلطة من قبيل شعار “يجب ألا تكون هناك أحزاب داخل مجلس الشعب”، يظهر أن “الشرعي” يريد أن يمثل كل فرد نفسه فقط، خوفاً من التحالفات التي قد تؤثر على القرارات، وذلك ليبقى البرلمان المشرع في يد “الشرعي” وحده كغطاء لتمرير ما يخطط له. وكان حضور “الشيباني” و”أنس خطاب” بمثابة دليل واضح على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في القصر وفُرِض على الأعضاء فرضاً. لقد أثبتت الجلسة الأولى لجميع المراقبين أن سياسة الحكومة هي سياسة إقصائية ذات لون واحد، وأن المجلس الذي كان في عهد البعث مجرد أداة للتصفيق، سيتحول في عهد “الشرعي” إلى منبر للوعود الخيالية والخطابات الطنانة.



